الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي
219
محجة العلماء في الأدلة العقلية
الدين وان يتقرب إلى اللّه تعالى بما ابتدعوه وهذا مرجعه إلى تقديم مصلحة حفظ النظام على ما جعله الشّارع من الاحكام فهو يتحبّب إلى أعداء اللّه باتباع البدعة وترك السّنة ويجزى عما شرعه اللّه من الدّين ومن المعلوم ان خليفة اللّه وعيبة علمه عالم بتعليم اللّه بجميع ما أراد ان يعلمه فلا يخفى عليه شيء ممّا احبّ ان يطلع عليه فلو عمل على طبقه لاختل النظام وهذا هو السرّ في جهل الناس بالأمور فلولاه لا اختل النظام ولم يتمكن أحد من أن يعاشر غيره غالبا لو انكشف الاستار أو يقدم على فعل لو علم بعواقبه وكيف كان فالواقع ينجز بالعلم مطلقا الّا ان المصلحة اقتضت تقديم جهة أخرى مزاحمة على ما اطلع عليه واما القاضي فالحق انه يعمل على طبق علمه الا في الحدود الّتى لم تترتب على الواقع من حيث هو بل الانكشاف بالاقرار والبيّنة معتبر في موضوع تلك الأحكام وكيف كان فوظيفة هذه الصناعة دفع الاشكال على تقدير الوقوع لا تميز الطريق عن الموضوع توضيح ذلك ان للحكم على ما حققناه في مواضع من مصنفاتنا مراتب ثلاثة ثبوته للواقعة وتعلّقه بالشخص والتنجّز وفي كل مرتبة تعتبر أمور وتختص كل من المراتب بآثار فإذا تم الحكم في المرتبتين الأوليين ففي مرتبته التنجز ربما يمنع منه ما هو أهم حيث لا يمكن الجمع كما في تزاحم الواجبين فان تقديم الأهم ليس منافيا لبقاء ما اخترعه في مرحلة الامتثال واعذر فيه الفاعل على ما كان عليه ذلك الفضول ففي انقاذ الغريقين يتخير بين امرين وجب كل منهما على التعيين ولا منافاة حيث إن التعيين في مرحلة والتخيير في مرحلة أخرى بل ربما يحرم الواجب الآخر في مرحلة الامتثال لمزاحمته لما هو أهم ومع ذلك لا يخرج عن وجوبه فيصح لو اتى به حيث إن مرجع هذا الحكم اى النّهى عنه إلى أن ذلك الآخر أهم لا ان غير الأهم محرم نعم قد يحرم الامتثال مع وجوبه فيبطل كما في صوم المسافر والحائض ومن آثار بقاء الوجوب في المرحلتين وجوب القضاء وقد لا يبقى بالتصرف في مرحلة الامتثال اثر لتحققه في المرحلتين السّابقتين كما في صلاة المسافر فان القصر في كل من الصّلاة والصيام انما هو على وجه الاعذار كما نطقت به الآية وصرحت به الاخبار لكن المصلحة اقتضت التحتم في الاعذار فحرم الامتثال لتقديم جهة أخرى وهو الضيق على المكلّف نوعا والتّقية من هذا الباب خصوصا إذا لم تبلغ مرتبة الاضطرار والحاصل ان التناقض يتوقف على ثمانية وحدات والقضية المشتملة على الحكم الواقعي مغايرة للقضية المشتملة على تعلقه بالشّخص موضوعا وحكما وتغايرهما بحسب الموضوع والحكم معا للقضية المشتملة على التنجيز وهذه قضايا ثلاثة مترتبة بحسب المرتبة لا يعقل التناقض بينهما وبهذا يظهر السر في عدم المنافاة بين الإباحة الظاهرية والحرمة الواقعية فان الأولى عبارة عن الاعذار في مرحلة الامتثال للجهل والاضطرار وهو لا ينافي وقوعه بل يتوقّف عليها فإنها موضوعة له والا لم يكن ظاهريا صرفا بل واقعيا ان قلت إن الاعذار بعد البيان وعدم الاضطرار وان لم يكن مناقضا لثبوت الحكم وتعلقه الّا انه تخلف للمعلول عن علّته التامّة فان ترك الامتثال عصيان بعد البيان ويستحيل ان يخرجه عن كونه كذلك الّا بان يكون هناك ما يقعده عن النهوض إلى الامتثال من قبيل العجز والمشقة الشديدة واحتجاب الواقع عنه وكونه غافلا أو جاهلا واما مجرد إرادة المولى فلا تصلح لذلك فإنه انما يعذر بمعنى انه يعتد بما هو في نفسه عذولا انه يحدث العذر من غير أن يكون هنا عذر فان مرجعه حينئذ إلى أنه يجب عليك وأنت معذور في العصيان بمعنى انك لا تستحق به الذم والخذلان وهو تخلّف للمعلول عن علّته التامّة وإلى هذا يرجع ما قيل من أن نفى الحجيّة عن القطع تناقض قلت